ابن المقفع

283

آثار ابن المقفع

رأي المختلفين ، وما حاجتك إلى رضى من رضاه الجور ، وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة فعليك بالتماس رضى الأخيار منهم وذوي العقل ، فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤونة ما سواه . لا تمكن أهل البلاء من التذلل ، ولا تمكن سواهم من الاجتراء عليهم والعيب لهم . لتعرف رعيتك ابوابك التي لا ينال ما عندك من الخير الا بها ، والأبواب التي لا يخافك خائف الا من قبلها . احرص الحرص كله على أن تكون خبيرا بأمور عمالك ، فان المسئ يفرق من خبرتك قبل ان تصيبه عقوبتك وان المحسن يستبشر بعلمك قبل ان يأتيه معروفك . ليعرف الناس فيما يعرفون من اخلاقك انك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب فان ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي . عود نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة والتجرع لمرارة قولهم وعدلهم ولا تسهلن سبيل ذلك الا لأهل العقل والسن والمروءة لئلا ينتشر من ذلك ما تجتريء به سيفه أو يستخف له شأن . لا تتركن مباشرة جميع امرك فيعود شأنك صغيرا ، ولا تلزم نفسك مباشرة الصغير فيصير الكبير ضائعا . اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ، ففرّغه للمهم وان مالك لا يغني الناس كلهم فاختص به ذوي الحقوق ، وان كرامتك لا تطيق العامة فتوّخ بها أهل الفضائل « 1 » ، وان ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك وان دأبت فيهما وانه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه من الدعة « 2 » فأحسن قسمتها بين دعتك وعملك .

--> ( 1 ) توخيت الشيء : تحريته وقصدته . ( 2 ) الدعة بالفتح : الراحة والسكون والوديع الساكن .